لماء النازل من السماء وتأثيره على الجبال
الماء النازل من السماء نعمة عظيمة على أهل الأرض جميعاً، وقد ذكر الماء بهذا المعنى في القرآن الكريم أربعاً وستين مرة.. ووردت بمعنى الماء النازل من السماء في تسع وعشرين مرة[1].. وقد تناولت هذه المواضع موضوعات عديدة كإخراج أنواع الثمرات وتعدد أصناف الخلق، وإحياء الأرض بعد موتها، والتمكين في الأرض كون الماء أحد أسباب التمكين فيها، والزوجية في الخلق فقد خلق الله تعالى من كل زوجين اثنين، فضلا عما ورد في التذكير باستخدامات الماء البشرية والاستخدامات الترفيهية . وسنتناول في هذا الفصل عرضا تحليلياً لبعض تلك الآيات :
1 _ إخراج الثمرات مختلفة الألوان :
الحديث عن الألوان في القرآن يعلو مقامه، ويعظم شأنه من خلال آية جامعة شاملة تناولت مستويات عديدة من علم وفن وطبيعة ومخلوقات وغيرها، تناولتها جميعا ضمن تناسق عجيب وعبر بناء فذ ولغة سامية لا يرقى لأسلوبها بشر قطعا، فما أجدر ان نطلق عليها آية الألوان، إذ يقول فيها الباري تبارك وتعالى : (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور)[2] وفي الآية الكريمة من حقائق العلوم ما يعجز العلماء عن كشف أسراها وبيان أبعادها، وتحديد مقاصدها وأغراضها .. حتى أن الآية الكريمة شغلت البلاغيين والنحاة على مر الأزمان والعصور، وباتت موضعا للاستدلال والاستشهاد فقال تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء ) وفي ذلك دلالة صريحة إلى حجم الإشارات العلمية التي تضمنتها الآية الكريمة .. وهذه الإشارات جميعها تعبر في الحصيلة النهائية عن عظمة الخالق تبارك وتعالى وقدرته في الخلق وفق قوانين وقواعد ثابتة لا تقبل الخطأ ولا تسمح بالتغيير، قال تعالى : ( إنا كل شيء خلقناه بقدر ) فسار الكون وفق قانون واحد خاضع لإرادة واحدة هي إرادة الله تعالى .. فالله أنزل من السماء ماء .. وأخرج به ثمرات مختلفا ألوانها .. وجعل من الجبال جدد مختلف ألوانها .. وجعل الألوان وجعل الأسود .. وجعل الناس مختلفة ألوانها .. وجعل الدواب والأنعام مختلفة ألوانها .. وفوق هذا وذاك أنه جعل كل أولئك من الأحياء يعيشون على هذه الأرض وفق قانون واحد .. فاستخدمت الآية أداة التشبيه ( كذلك ) فالجميع يتلونون ويختلفون وفق نظام واحد .
قال تعالى : (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها)
إذ تطالعنا تفاسير الكتاب الحكيم أن الغرض من ذكر إنزال المطر وإخراج الزروع والثمرات المختلفة الألوان على الرغم من كونها تسقى بماء واحد، يعد دليلاً من أدلة القدرة الباهرة والصنعة البديعة للخالق العظيم ( لما قرر الله تعالى وحدانيته بأدلة قربها وأمثال ضربها أتبعها بأدلة سماوية وأرضية فقال : ألم تر .. وهذا الاستفهام تقريري، ولا يكون إلا في الشيء الظاهر جداً والخطاب للسامع وترى في رؤية القلب لأن إسناد إنزاله تعالى لا يستدل عليه إلا بالعقل الموافق للنقل وان كان إنزال المطر مشاهداً بالعين لكن رؤية العين قد تكون مسندة لرؤية البصر ولغيرها )[3].. وكما قيل فان القرآن الكريم كتاب الله المسطور، والكون كتاب الله المنظور .. فالتفت الخطاب القرآني من المسطور إلى المنظور للتنبيه إلى عظيم قدرة الله في مخلوقاته .. ( وذكر إنزال الماء من السماء إدماج في الغرض للاعتبار مع ما فيه من اتحاد أصل نشأة الأصناف والأنواع )[4] كقوله تعالى : (تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل )[5] إذ قد يكون المقصود مجازاً جميع أنواع الثمرات فكنى عنها بقوله : ( مختلفاً ألوانها ) فقد جمع الخطاب القرآني كل أصناف الثمرات منبها إلى قانون الري الأول، ( أنها جميعا تسقى بماء واحد )، وهذا من عظيم صنع الله وقدرته في خلقه. أو قد يراد بها الألوان الحقيقية، فالثمرات ذات ألوان مختلفة فمنها الأحمر والأصفر والأخضر وغيرها، بل إن الثمرة الواحدة تتلون على اختلاف مراحل نموها مع اختلاف مقدار حاجتها للماء على اختلاف تلك المراحل .
ويؤكد صاحب التحرير والتنوير أن اللون هنا مقصود حقيقة إذ يقول : ( والألوان جمع لون وهو عرض، أي كيفية تعرض لسطوح الأجسام يكيفه النور كيفيات مختلفة على اختلاف ما يحصل منها عند انعكاسها على عدسات الأعين … والمقصود من الاعتبار هو اختلاف ألوان الأصناف من النوع الواحد كاختلاف ألوان التفاح مع ألوان السفرجل .. واختلاف ألوان الأفراد من الصنف الواحد تارات كاختلاف ألوان التمور والزيتون ولأعناب والتفاح والرمان ) [6].
وفي قوله تعالى : ( فأخرجنا ) التفات من الغيبة إلى التكلم .. وقد ( التفت من الغيبة إلى التكلم لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبيء عن كمال القدرة والحكمة )[7] ولما في ذلك من الفخامة إذ هو مسند للمعظم المتكلم، ولأن نعمة الإخراج أتم من نعمة الإنزال لفائدة الإخراج فأسند الأتم إلى ذاته بضمير المتكلم وما دونه بضمير الغائب [8]وفائدة أخرى مفادها اقتراب المتفكر بتلك العظمة الإلهية فصار كالحاضر فكان الخطاب (فأخرجنا) [9] .. والالتفات كائن لأن ( الاسم الظاهر أنسب بمقام الاستدلال على القدرة لأنه الاسم الجامع لمعاني الصفات، وضمير التكلم أنسب بما فيه امتنان )[10] .
ولقد منح القرآن الكريم في هذه الآية العظيمة الزمن دوره وأهميته كشرط رئيس في إتمام عمليات التغير والتبدل (وجيء بالجملتين الفعليتين في ( أنزل ) و ( أخرجنا ) لأن إنزال الماء وإخراج الثمرات متجدد آنا بعد آن ) [11] .
( وجرد ( مختلفا ) من علامة التأنيث مع أن فاعله جمع وشأن النعت السببي أن يوافق مرفوعه في التذكير وضده والإفراد وضده، ولا يوافق في ذلك منعوته، لأنه لما كان الفاعل جمعا لما لا يعقل وهو الألوان كان حذف التاء في مثله جائزا في الاستعمال، وآثره القرآن إيثارا للإيجاز )[12].. فيكون فيه إيجاز حذف حرف .
وقوله تعالى : ( مختلفا ) نعت لثمرات، وقوله تعالى : ( ألوانها ) فاعل به ولولا ذلك لأنث مختلفا ولكنه لما أسند إلى جمع تكسير غير عاقل جاز تذكيره[13].. فجمع التكسير يجوز فيه أن تلحق التاء وأن لا تلحق [14].
(وقرأ الجمهور : مختلفا ألوانها، على حد اختلف ألوانها، وقرأ زيد بن علي : مختلفة ألوانها، على حد اختلفت ألوانها )[15].
وقال تعالى : (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك)
الواو في قوله تعالى : ( ومن الجبال ) تحتمل وجهين[16]:
أحدهما : أن تكون للاستئناف كأنه قال : وأخرجنا بالماء ثمرات مختلفة الألوان.
ثانيهما : أن تكون للعطف تقديرها وخلق من الجبال.
صورة لأحد الجبال الحمراء التي عبر عنا الله تعالى بالجدد الحمر قال تعالى : (ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك)
وقد نبهت الآية الكريمة إلى العلاقة بين الماء الواحد _ عديم اللون من أصل خلقه _ والثمرات _المختلف ألوانها _ وتسري العلاقة نفسها على ماء واحد _ عديم اللون _ وأرض هي الأخرى _ مختلف ألوانها _ إذ إن تقدير الكلام : أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها كاختلاف ألوان الثمرات، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك _ أي كاختلاف ألوان الثمرات وجدد الجبال _ فمن الناس الأبيض والأحمر وكذلك الأسود .. فيكون في الآية إيجاز حذف جملة (كاختلاف ألوان الثمرات ) .. وجملة أخرى كاختلاف ألوان الثمرات وجدد الجبال ) .. وقد تم التعويض عنها وإيجازها بكلمة ( كذلك ) . وأضاف الزمخشري في قوله تعالى : (ومن الجبال جدد ) فقال : ( أراد ذو جدد )[17]فيكون فيها حذف للمضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والجدد، الخطط والطرائق [18]، وقد يكون المعنى المراد بالجدد، الأنواع [19]، فسياق الآية يتناول أنواع المخلوقات كالجبال والنبات والإنسان.
ولقد جيء في جملة ( ومن الجبال جدد ) و( من الناس والدواب والأنعام ) بالاسمية دون الفعلية على عكس ( فأخرجنا به ثمرات ) وذلك لأن ألوان الناس والدواب والأنعام وكذلك جدد الجبال يكون تغير ألوانها غير ظاهر لذلك ابتدأ بالجملة الاسمية، لأنها تفيد الثبات .. أما تغير ألوان الثمرات فهو ظاهر ومحسوس لذلك جاء وصفها بالجملة الفعلية لإفادتها التغير والتجدد فهي مقرونة بالزمان .
وقد حصل في الآية تدبيج وهو أن يذكر المتكلم ألوانا، يقصد الكناية بها ويريد من ذكرها التورية عن أمور من وصف أو مدح أو هجاء أو غير ذلك من الفنون[20] .. وقد سلكت الآية الكريمة بذلك سبيل الكناية عن التشبيه من الطرائق فالجادة البيضاء هي الطريق التي كثر السير عليها، وهي أوضح الطرائق وأبينها، فلا يخاف اجتيازها الموغل في الأسفار، ولهذا قيل : ركب بهم المحجة البيضاء، ودونها الحمراء، ودون الحمراء السوداء[21].
قوله تعالى: (وغرابيب سود)
وفيما يتعلق بالغرابيب السود، فقد ميزتها الآية الكريمة عن الألوان المذكورة، (الأبيض والأحمر)، بل أخرجتها عن زمرة الألوان لمنع توهم البشر من كونها تتمتع بلون يميزها عن سائر الألوان، فقال تعالى: (جدد بيض وحمر مختلف ألوانها .. وغرابيب سود)، ويعود سبب ذلك –والله أعلم- إلى ما اكتشفه العلم الحديث من أن (الأجسام السود) هي في الحقيقة أجسام معتمة لا لون لها. فـ (الجسم الأسود) كما عرفه علماء الفيزياء هو ذلك الجسم الذي يمتص الأشعة الساقطة عليه، بمعنى آخر فإنه يمتص كل ألوان الطيف الشمسي، ولا يعكس أي لون منها، فيظهر معتما.
وهكذا فقد فصلت الآية الكريمة بين الألوان المختلفة في قوله : (جدد بيض) من جهة، و(غرابيب سود) من جهة أخرى، باعتبارها أجساما معتمة لا لون لها. فضلا عن ذلك وزيادة في التأكيد فقد جاء (الأسود) مقرونا (بالغرابيب)، والغرابيب، جمع غربيب، وهو اسم للشيء الأسود الحالك سواده[22]، بل تدل على ما هو أشد من الأسود فهو مثالي في سواده، فكان مقتضى .....
الظاهر أن يكون (غرابيب) متأخرا على (سود)، لأن الغالب أنهم يقولون: أسود غربيب، كما يقولون: أبيض يقق .. وأصفر فاقع .. وأحمر قان، ولا يقولون: غربيب أسود[23].
إن الكلام على التقديم والتأخير، الغرض منه التوكيد، وهو حاصل على كل حال[24]، وهذا يعني أن تقديم (غرابيب) على (سود) فيه توكيد على أنه حالك السواد مما يؤكد أن هذه الأجسام تعد أجساما معتمة تماما، فهي مثالية في سوادها وعتمتها، لذلك فهي مثالية أيضا في امتصاصها للضوء، فلا تعكس أي لون ساقط عليها، فهي أجسام معتمة تماماً ولا لون لها. إذ إن (لون الجسم دالة لأطوال أمواج الضوء التي لا يمتصها الجسم، فلو أضيء جسم بلون أبيض ولم يمتص أي لون من ألوان الطيف، فستراه أبيض اللون، وإن أضيء بلون أبيض وظهر بلون أزرق فهذا يعني أن الجسم امتص جميع مكونات اللون الأبيض وعكس اللون الأزرق فقط فظهر أزرقا . أما إذا أضيء جسم بلون أبيض وظهر أسودا فذلك يعني أنه قد امتص جميع ألوان الطيف ولم يعكس أيا منها فهو جسم معتم لا لون له)[25]. فتكون عبارة (غرابيب سود) وفقا لما ذكرناه كناية علمية عن الأجسام المعتمة عديمة اللون.
(سجر التنور ) في اللغة : أي أوقد عليه حتى أحماه، و العقل العربي وقت تنزل القرآن ولقرون متطاولة من بعد ذلك لم يستطع أن يستوعب هذه الحقيقة، كيف يكون البحر مسجوراً والماء والحرارة من الأضداد .
حتى أكتشف حديثاً أن الأرض التي نحيا عليها لها غلاف صخري خارجي هذا الغلاف ممزق بشبكة هائلة هائلة من الصدوع تمتد لمئات من الكيلومترات طولاً وعرضاً بعمق يتراوح ما بين 65 و 150 كيلومتر طولاً و عرضاً و من الغريب أن هذه الصدوع مرتبطة ببعضها البعض ارتباطاً يجعلها كأنها صدع واحد ويقسم الله سبحانه وتعالى في آية أخرى ( و الأرض ذات الصدع )
هذه صورة بيانية لامتداد الصدوع على سطح الأرض والتي تشكل باتصالها صدعاً وحداً أضغط على الصورة لتكبيرها
و في هذه الآية إعجاز واضح فالله يقسم بصدع واحد الذي هو عبارة عن اتصال مجموع الصدوع، يشبهه العلماء باللحام على كرة التنس،
و قد جعلت هذه الصدوع في قيعان المحيطات وهذه الصدوع يندفع منها الصهارة الصخرية ذات الدرجات العالية التي تسجر البحر فلا الماء على كثرته يستطيع أن يطفىء جذوة هذه الحرارة الملتهبة و لا هذه الصهارة على ارتفاع درجة حرارتها ( أكثر من ألف درجة مئوية ) قادرة أن تبخر هذا الماء، وهذه الظاهرة من أكثر ظواهر الأرض إبهاراً للعلماء .
و قد قام العالمان الروسيان " أناتول سجابفتيش " عالم جيولوجيا، و" يوري بجدانوف " عالم أحياء وجيولوجيا وبالاشتراك مع العالم الأمريكي المعروف"رونا كلنت " بالغوص قرب أحد أهم الصدوع في العالم، فقد غاصوا جميعاً وهم على متن الغواصة الحديثة ميرا ووصلوا إلى نقطة الهدف على بعد 1750كم من شاطئ ميامي و غاصوا على بعد ميلين من السطح حيث وصلوا إلى الحمم المائية التي لم يكن يفصلهم عنها سوى كوة من الأكرليك وكانت الحرارة 231 م وذلك في وادٍ على حافة جرف صخري وكانت تتفجر من تحتهم الينابيع الملتهبة حيث توجد الشروخ الأرضية في قاع المحيط وقد لا حظوا أن المياه العلوية السطحية الباردة تندفع نحو الأسفل ......
هذه الصورة هي صورة حقيقية لأحد الشقوق في قاع المحيط
بعمق ميل واحد فتقترب من الحمم البركانية الملتهبة و المنصهرة فتسخن ثم تندفع محملة بالقاذوراة والمعادن الملتهبة، ولقد تأكد العلماء أن هذه الظاهرة في كل البحار والمحيطات تكثر في مكان و تقل في مكان آخر(1) .
وإن البراكين في قيعان المحيطات أكثر عدداً ، وأعنف نشاطاً من البراكين على سطح اليابسة، وهي تمد على طول قيعان المحيطات .
و المبهر في هذه الصياغة المعجزة (و البحر المسجور ) أنه نظراً لعدم وجود الأوكسجين في قاع البحر لا يمكن للحمم البركانية المندفعة عبر صدوع قاع المحيط أن تكون مشبعة على طول خط الصدع، و لكنها عادة ما تكون داكنة السواد، شديدة الحرارة ، و دون اشتعال مباشر، تشبه صاجة قاع الفرن البلدي إذا أحمي أسفل منها بأي وقود فإنها تسخن سخونة عالية تمكن من خبز العجين عليها ، و هذا القصد اللغوي تماماً للفظ المسجور و لا يوجد كلمة ممكن أن تحل محلها وتدل على المعنى بدقة فتأمل عظمة هذا الإبداع الرباني .
(1) كتاب : " آيات الله في البحار تأليف أحمد صوفي .
بقلم فراس نور الحق
المراجع : آيات الله في البحار تأليف أحمد صوفي .
من آيات الإعجاز في القرآن الكريم الدكتور زغلول النجار
قال الله تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) [سورة النساء 103].
إن الصلاة أحد أركان الإسلام الخمسة . فقد أمر الإسلام بإقامتها لوقتها وفرضها على المسلمين فرضا .
وقد ذكرت في آيات عديدة في القرآن وقال الله تعالى (وأقم الصلاة لذكرى ) طه آية ( 14) .
وهي الدواء الناجح والشفاء الرباني لكل أمراض الدنيا البدنية والعضوية والنفسية والعصبية وفيها الوقاية من حدوث كل هذه الأمراض ومنع الأذى . ففي عملية الصلاة تتحرك كل عضلة من عضلات الجسم صغرت أم كبرت وفي هذا صيانة لها تدريب لتقويتها.
والصلاة على ما فيها من طاعة الخالق والإذعان للبارئ رياضة بدنية لها مالها من الفوائد الجمة والمنح العظيمة.
فجسم الإنسان يتكون من عظام ومفاصل وعضلات وشرايين وأوردة وأعصاب ... ولكها تحتاج إلى تزيين وتشحيم كل يوم بالحراك لأن الراحة التامة والنوم يصيبها بالكسل والملل وعدم الكفاءة في ظروف أخرى تتطلب مجهودا أكبر ، ولعل جلطة الساقين الوريدية أو بعض الظهر تأتى الأفراد الذين يؤثرون الراحة التامة وتبلغ العضلات في جسم الإنسان المئات والأعصاب كثيرة ومنتشرة متشابكة ومتشعبة وهي كالأسلاك الكهربية ويبلغ عدد العظام في جسم الإنسان 360 عظمة.
والصلاة لذلك رياضة بدنية ممتازة تتحرك فيها المفاصل والعضلات وتنشط لها الدورة الدموية فما بالك بخمسة تمرينات رياضية كل يوم وتتكرر كلما ازدادت قوة زادت قوة إيمان الشخص.
نشرت مجلة " المجاهد " القاهرية في عدد رمضان 146 أبريل 1986 مقالاً للدكتور عثمان الخواص أستاذ العظام يقول فيه :
أولا : إن أهم ما تعنى به أساليب التربية الحديثة، وما ينصح به علم الصحة الوقائي للتمرينات الرياضية التى أصبحت تمارس وتؤدى في أوقات مخصصة شأنها شأن باقي المواد والدروس ...لما اتضح أن التمرينات الرياضية هي الأساس في بناء الجسم السليم الذي لابد منه لوجود العقل السليم .. وأن أداء الصلاة خمس مرات كل يوم خير وسيلة لجنى فوائد التمرينات الرياضية .. فأوقاتها أنسب الأوقات التى يوصى فيها بأداء التمارين .. فقبل شروق الشمس حيث الجو النقي وحيث الجسم مازال متأثرا بالنوم ... وفي الظهيرة حيث قد حل بالجسم تعب العمل ...وفي العصر حيث قارب يوم العمل أن يتنهى وأسرع إلى الجسم الكد والتعب. وفي الغروب حيث ينتهي ويبدأ الإنسان يستعد لراحة الليل ... وفي العشاء حيث يختم الإنسان يومه.
ثانيا : أما حركاتها فقد عرف أن القيام في الصلاة خير وسيلة لتنشيط الدورة الدموية التي تنشط كافة الأجهزة ، ولذا تعتبر الصلاة منشطة للهضم وفاتحة للشهية ونرى أن أوقاتها تتناسب وهذه الحكمة تناسبا تاما ... ففي الصباح قبل الإفطار … وفي الظهيرة قبل الغذاء ... وفي العصر حيث الإنسان بين وجبتي الغذاء والعشاء ... وفي العشاء حيث يكون الهضم قويا.
كذلك أمكن إبراء كثير من الأمراض المعدية وفى وقت مدهش بالنسبة لقصره ولكن بغض النظر عن جميع معجزات العلاج التى تمت فى دنيانا هذه وما زالت هناك معجزات أخرى فى إبراء المريض والأعرج والكسيح والأعمى لا يمكن تعليلها ولا ينفع فيها العلاج الطبي أو الجراحي أو السيكولوجي أو الاهتزازي ، فهناك آلاف من الحالات التي لم يجد فيها أشهر الأطباء وأشدهم فطنة أدنى بارقة أمل ، والتي تم فيها مع ذلك شفاء المرضى واستعادتهم للصحة والعقل من خلال معجزات الصلاة .
إن الصلاة كمعدن (الراديو) مصدر للإشعاع ومولد ذاتي للنشاط. ويجب أن نفهم أن الصلاة ليست مجرد تلاوة ميكانيكية للأدعية ولكنها تسام صوفي يتصل فيها الإنسان بالله سبحانه كما يحس بحرارة الشمس أو كما يحس بعطف صديق ،والإنسان فيها يقدم نفسه لله ويقف بين يديه ليكسب السكينة والطمأنينة .
إن الصلاة تخلق ظاهرة غريبة : إنها تأتى بمعجزة فقد شاهدنا تأثير الصلاة في الحالات الباثولوجية إذ برئ كثير من المرضى من أمراض مختلفة متعددة كالدرن البريتونى والأخرجة الباردة والتهاب العظام والجروح القائحة والسرطان وغيره.
ثالثاً : أما فائدة الصلاة للإنسان من الناحية النفسية فأنها أكثر من أن تحصى وأهم من أن تذكر ... ففي الصلاة يتذكر الإنسان ربه وأن بيده سبحانه وتعالى الأمر كله وأن الإنسان في هذه الحياة لا يكافح وحده .. وأن للعالم خالقا بصيرا حاكما عادلا ... فإذا ما ظلمه ظالم .. أو جار على حقه جائر ... فوض أمره إلى من تقوم السماوات والأرض بأمره.
وإذا ح*** أمر .. أو ضاقت به زحمتها ... لجأ إلى الله الذي وسعت رحمته كل شئ ... فمن يملك الأمر سواه ... ومن يقدر على كل
شيء غيره.
إن هذا الإحساس يحيط الإنسان في حياته بجو من الهدوء والاطمئنان النفسي الذي يعينه على الاستمرار في حياته بصحة جسيمة وراحة عقلية واطمئنان حسي. أما اختزالها في الذهن واستئثار المرء بها فإنه كفيل بخلق التوتر العصبي.
وتقول الدكتورة " روز هفلردنج " المستشارة الطبية لمستشفي بوسطن: إن من الأدوية الشافية للقلق إفضاء الشاكي بمتاعبه إلى شخص يثق به.
وحين يتحدث المرضى عن متاعبهم بإسهاب وتفصيل ينتهي القلق من أذهانهم ، فإن مجرد إفضاء الشكوى فيه شفاء.
ولا يشترط أن يكون الشخص المفضي إليه طبيبا ، ومن رجال القانون، أو الدين وإنما المهم الإحساس بأن هذا الشخص يسمع ويحس ويعين ... فكيف إذا لجأ الإنسان إلى الله ويرى ويملك الأمر وبيده الخير كل الخير ؟ أفليس الإنسان إذا ما أقام الصلاة يكون منجاة من كل هذه الأمراض ؟ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير الملك ( 14).
يقول الدكتور " ألكسيس كاريل " الحاصل على جائزة نوبل في كتابه
(الإنسان ذلك المجهول) .
لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت إلى يومنا هذا وقد رأيت بوصفي طبيبا كثيرا من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم فلما رفع الطب يديه عجزا وتسليما دخلت الصلاة فبرأتهم من عللهم .
" إن الصلاة كمعدن الراديوم مصدر للإشاعات ومولد للنشاط، وبالصلاة يسعى الناس إلى زيادة نشاطهم المحدود حين يخاطبون القوة التي يغنى نشاطها " .
" إننا نربط أنفسنا حين نصلى بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون ونسألها ضارعين أن تمنحنا قبسا منها نستعين به على معاناة الحياة بل أن القراءة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا ولن نجد أحدا يضرع إلى الله غلا عادت عليه الضراعة بأحسن النتائج " .
سر إعجاز الصلاة والسجود فيها :
تحت هذا العنوان كتب الدكتور غريب جمع مقالا "بالمجلة العربية" السعودية - رقم (224) السنة العشرون الصادر في رمضان 1406 هـ فبراير 1996 فيقول :
لم تحظ عبادة من العبادات بقدر ما حظيت به الصلاة من الاهتمام سواء في القرآن أو السنة حتى أصبحت عماد الدين ورأس العبادات وعلامة اليقين وأفضل القربات ومعراج الأرواح إلى جو ملائكي وأفق طهور
وإذا تأملنا أكثر أركان الصلاة تكراراً وجدناه السجود حتى جعله الله من صفات من شرفهم بنسبتهم إلى ذاته العلية .
سؤال وجواب :
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو : ماذا في السجود من المنافع التي جعلت له هذه المنزلة ؟
- يؤدى السجود إلى خفض ضغط الدم ، وكلما طالت فترة السجود
وازداد انخفاض ضغط الدم . وقد تكون الصلاة أهم عامل في ندرة الإصابة بضغط الدم في الركع السجود الخاشعين كما أنها قد تكون
علاجاً للمصابين به .
وتعتبر كثرة السجود بمثابة التمرين اليومي المنتظم والمتكرر لمراكز التحكم ومنتجاتها الموجودة بالشريان الأورطى والشريان البابي الأيمن ونظيره الأيسر فيؤدى إلى زيادة كفاءتها في تنظيم الدورة الدموية وبالتالي يستطيع الجسم أن يواجه أي تغيير في وضع أو اهتزاز دون الإصابة بالدوار الناتج عن مثل تلك الأحوال .
- يتعرض الإنسان خلال اليوم لمزيد من الشحنات الاكتروستاتيكية
" الكهربائية الساكنة " من الغلاف الجوى وهي تتركز على الجهاز العصبي المركزي ، ولابد من التخلص منها حتى لا تؤدى إلى حدوث متاعب غير محتملة منها على سبيل المثال : الإحساس بالصداع وتقلصات عضلية وآلام بالرقبة .
و قد وجد أن وضع السجود هو أنسب الأوضاع للتخلص من هذه الشحنات لأنه بمثابة توصيل الجسم بالأرض التى تبددها وتمتصها تماماً وبهذا ينخفض الضغط الالكتروستاتيكى على المخ وينمو الركع السجود بفضل الله من الإصابة بالاضطرابات النفسية وانفصام الشخصية (الشيزوفيرينيا) .
- يساعد السجود على نظافة الجيوب الأنفية بسحب إفرازاتها أولا بأول وبالتالي تقل فرصة التهاب هذه الجيوب أما الجيوب الفكية (نسبة الفك العلوي) فإنها في حالة السجود تسبه الآثار المصفي (بفتح العين) تسلب السائل الزائد فيه وهذا يساعد على تصفيتها أولاً بأول فلا يشعر المصاب بأنها بها بصداع ما بعد الظهر الذي يشعر به من يظل منتصب القامة طوال يومه .
وكذلك الأمر بالنسبة للجيوب الإسفينية (Sphenoidal) والتصفوية (Ethmoidl) . ولجبهة (Frantal) .
- يزداد توارد الدم إلى المخ أثناء السجود فيزداد داؤه وبالتالي يصل ما يلزمه من مواد غذائية وأكسجين ويؤدى وظيفته على أحسن وجه ومعروف أن المخ يمثل مركز التحكم في الجسم كله وبيد تأثير عدم أداء المخ بالدم الكافي واضحاً في الأشخاص الذين يقفون مدة طويلة كجنود الحراسة حيث يصابون بالإغماء المفاجئ .
وعلاجهم غاية في السهولة - وهو أن ينام الجندي على ظهره مع رفع القدمين أعلى من مستوى رأسه فيعود إليه وعيه بإذن الله .
كما أن زيادة موارد الدم إلى منطقة الرأس يساعد على تنشيط الدورة الدموية بالوجه والرقبة ويكسبها نضارة وحيوية خاصة في الطقس البارد.
وقد عرف أصحاب رياضة (اليوجا) أهمية وضع الرأس إلى أسفل فجعلوا من بين أوضاعها وضع الوقوف على الكتفين وهي رياضة من وضع البشر ولكنا نشير فقط كما أن شعائر الله تقدم للناس الخير بأفضل مما يبتكرونه لأنفسهم .
- يساعد وضع السجود على تخفيف الاحتقان بمنطقة الحوض وبالتالي يساعد على الوقاية من الإصابة بالبواسير وحدوث الجلطات بالأوردة ، والتي لا يخفي على خطورتها .
كما أنه يساعد على التخلص من الإمساك ويعتبر من أنسب الأوضاع لعلاج سقوط الرحم الخلقي لدى الإناث وقد اكتشفت فوائد هذا الوضع حديثاً ولهذا ينصح به أطباء النساء والتوليد في علاج بعض الأعراض وقد أطلقوا عليه وضع " الركبتين والصدر " .
معجزة الصلاة في الوقاية من مرض دوالي الساقين تحت هذا العنوان نشرت مجلة "الإعجاز" السعودية فى عددها الثانى إصدار جمادى الأولى 1417 أول بحث طبي يربط بين الصلاة كتشريع إسلامي وبين الوقاية من مرض دوالي الساقين الذي أثبت فيه بالدليل العلمي المدعم بالصور والجداول والوثائق أن الصلاة تقي من الإصابة بمرض دوالي الساقين وأن إهمال الصلاة يلعب دوراً حيوياً في الإصابة بهذا المرض الشائع حدوثه بين الناس حيث تتراوح نسبة إصابته للناس بين 10 – 20% . وقد حصل صاحبه – د. توفيق علوان – على درجة الماجستير بتقدير امتياز من كلية الطب (قسم الجراحة) جامعة الإسكندرية.
فقد قرر العلماء أن أهم عنصرين ضالين في تدمير الأوردة السطحية وإبراز دوالى الساقين هما :
العنصر الأول : هو تركيز أعلى للضغط على جداران الأوردة السطحية للطرفين السفليين عن طريق الوقوف بلا رحمة ولفترات طويلة .
العنصر الثاني : أن الوريد السطحي المؤهل للإصابة بالدوالي ، إنما يكون واقعاً من البداية تحت تأثير مرض عام فى الأنسجة الرابطة ، يؤدى إلى إضعاف جدرانه إلى مستوى أقل من نظيره الطبيعي .
والآن يبدوا ظاهراً أنه بتكاتف هذين العنصرين معاً في شخص ما تكون النتيجة الحتمية هي إصابته بدوالي الساقين .
وهكذا فإن الصلاة تعد عاملاً مؤثراً في الوقاية من دوالي الساقين عن طريق ثلاثة أسباب :
الأول : أوضاعها المتميزة المؤدية إلى أقل ضغط واقع على الجدران الضعيفة لأوردة الساقين السطحية .
والثانى : تنشيطها لعمل المضخة الوريدية الجانبية ، ومن ثم زيادة خفض الضغط على الأوردة المذكورة .
الثالث : تقوية الجدران الضعيفة عن طريق رفع كفاءة البناء الغذائي بها ، ضمن دفعها لكفاءة التمثيل الغذائي بالجسم عموماً .
وصفوة القول : أن العبد إذا لجأ إلى الله تعالى لجوء صادق القلب والروح لا باللسان والكلام فقط كان الله معه ، فإذا صلى تكون صلاته فيها الخشوع الظاهر والباطن ، بهذا الأداء يتبين لنا بالدليل العملي أن الصلاة تعتبر مصحة نفسية وجسدية .
__________________
نتحدث في هذا البحث عن نموذج قرآني يدل على الطبيعة الخاصة للنص القرآني الكريم، وعلى ضرورة تحلي قارئ القرآن بالمعرفة الدقيقة بالكيفية التي ينساب النص الكريم من خلالها، لأجل أن يتوصل قارئ القرآن إلى الصورة الجمالية والفنية المتكاملة التي يطرحها، والتي غالبا ما تغيب عن أذهاننا في حمّى تعاملنا التجزيئي مع القرآن الكريم.
والآيات التي نحن بصددها هنا هي من سورة العنكبوت، وهي السورة التي تبهرنا، وتحيرنا، وتجبرنا على الوقوف أمامها مبهورين؛ وذلك لغرابة التوظيف القرآني لإحدى الحشرات الغامضة، ذلك التوظيف المثير الذي يحتاج إلى وقفة تفكر وتأمل. حيث يقول عز من قائل:
والآن؛ دعونا نتوقف قليلاً أمام هذا السرّ الغريب، والطلسم الغامض… فحيث لا يدري الناسُ ما السرُّ في تسمية سورةٍ بأكملها من سور القرآن الكريم باسم "العنكبوت" ينبغي أن نتوقف… وأن نتفكر، وأن نتأمل!!...
والقارئ المتأمل يظل متعجبا من الهدف الذي أُورد هذا المثال من أجله؛ أو ما الذي أريد به، أو الدلالة عليه!!… ما عدا المعاني القريبة والشذرات العلمية التي تفيض من جوانب النص!!
وقبل أن نخوض في عمق التحليل للنص القرآني المشار إليه؛ فلابد أن نعرض لبعض الإشارات حول حشرة العنكبوت، وهي الإشارات التي قد تلقي قليلاً من الضوء على الهدف الذي تم من أجله إيرادها على الصورة التي وردت عليها!.
خيوط وعناكب!!!
من المعلوم أن العناكب تتبع فصيلة "العنكبوتيات"، وهي فئة من الحيوانات الناجحة والواسعة الانتشار، والتي تضم العناكب والعقارب وما شابهها. ومن أشهر "العنكبوتيات" العناكب، وكثير منها يعيش في منازلنا أو في جوارها، وأنسجتها المستديرة معروفة لنا جيدا.
ومن اللافت في موضوع العناكب أن الحشرات الأخرى لا تسلم من شرها ساعة من ليل أو نهار!، فهي دائمة الترصد لفرائسها في ورديات نهارية وليلية!، وتبدأ العناكب الليلية صيدها بعد انتهاء عمل العناكب النهارية، وقد ابتكرت العناكب طرقاً مختلفةً لاقتناص فرائسها، فبعضها ينقض على فريسته انقضاضاً مباشراً، إلا أن أشهر طرق الاقتناص لديها يتم عن طريق ما تنصبه من شباك تتخايل للفرائس وكأنها زينة تلمع أمامها، فإذا ما اقتربت منها وقعت فيها وكانت سببا في هلاكها!!..
وتقوم العنكبوت بإنتاج الخيوط الحريرية من غدد خاصة بذلك وتوزعه مغازلها الصغيرة، وتُنتجُ الأنواع المختلفة من الغدد أنواعا خاصة بها من الحرير، وتنسج العناكب شباكها بدقة من خيوط حريرية وفقا لتصاميم خاصة لها أشكال مختلفة.
وقد بحث العلماء في تراكيب المادة التي يفرزها العنكبوت فوصلوا إلى ما يدهش العقول، فقد رأوا بعض العناكب تنسج خيوطا رقيقةً جداً، وقد وجد أن كل خيط من تلك الخيوط مؤلف في حقيقته من أربعة خيوط أدق منه، وكل واحد من تلك الخيوط الأربعة مؤلف من ألف خيط!، ووجدوا كذلك أن كل واحد من الألف يخرج من قناة مخصوصة في جسم العنكبوت، وهذا الأمر يقود إلى العجب، فكيف يتسع جسم العنكبوت إلى ألف ثقب، يخرج من كلٍ منها أربع من خيوط العنكبوت؟!. وعليه فإن خيط العنكبوت يتكون في مجمله من أربعة آلاف خيط!!
وأعجب من ذلك كله أن بعض العلماء الألمان قد وجدوا أنه إذا ضم أربعة بلايين من تلك الخيوط إلى بعضها البعض فإن سمكها لن يتجاوز عندها سمُك شعرةٍ واحدةٍ من شعر رأس الإنسان!!. ومن غريب ما نحن بصدده من الحديث عن بيت العنكبوت ما كشف عنه العلم من القوة الكامنة في خيط العنكبوت، سواء من ناحية دقة غزله، أو قوة تحمله في حال جمعه إلى بعضه بعضا، إلى درجة أن تلك الخيوط لو ضمت إلى بعضها فستصبح حينها أشد قوة من سلك من الفولاذ له نفس السُمْك، وقد بدأ العلماء بالفعل يفكرون في الكيفية التي يمكنهم معها استخدام تلك الخيوط لحياكة الأردية الواقية من الرصاص.
إن المدهش في تناول القرآن لهذا الأمر أن جميع الحقائق التي تم الكشف عنها لا تصطدم ،سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، مع ما جاء القرآن به، إذ يدهشنا أن القرآن الكريم قد تحدث عن العنكبوت التي اتخذت بيتا، فجاء العلم الحديث ليخبرنا بأن الأنثى بالفعل هي من تقوم باتخاذ البيت!!...
ويدهشنا كذلك أننا وجدنا القرآن الكريم يتحدث عن ضعف "بيت العنكبوت" لا عن ضعف الخيط ذاته!. وهذا ما أثبتته الأبحاث العلمية بالفعل، وعلى الرغم مما يطرحه "العنكبوت" و"بيته" من لغز (قد يبدو مناقضا لما هو معلوم لنا من خلال خبراتنا ومشاهداتنا في عالم الطبيعة) إلا أن ما يطرحه القرآن الكريم يبدو أشد غرابة؟!، فالنظر بشكل متكامل إلى الآيات القرآنية التي تحكي قصة العنكبوت؛ إنما يعطينا فرصة لوضع اليد على سرٍ عجيب من أسرار الاجتماع البشري على هذه الأرض منذ بداية الخلق وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!...
ولكي نتوصل إلى ذلك السر فلابد من متابعة الآيات الكريمة بنفس تسلسلها الذي تطرحه سورة "العنكبوت"، إذ تبتدئ السورة بإحدى عشرة آية مدنية، بعكس بقية السورة والتي هي مكية... والحد بين المدني والمكي في هذه السورة إنما هو الحدّ الذي تبتدئ معه الصورة التي نحن بصددها بالتشكل والارتسام، حيث تبدأ معالمها تلوح لنا ابتداء من الآية رقم(12) (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم...} وهذه المقولة بالذات هي عقدة الحكاية التي نحن بصددها!....
وتتحدث الآيات الأحد عشر الأولى عن رحلة الإنسان على الأرض، مع ما يرافق ذلك الوجود من فتنٍ ومرارات {أحسبَ الناسُ أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ اللهُ الذينَ صدقوا وليعلمنّ الكاذبين}.
ولقد اعتبر القرآن الكريم تلك الفتن علامات ضرورية للإنسان لإثبات الصدق على طريق الحق. وتضع الآيات الكريمة نقطتين مضيئتين أساسيتين في رحلة الإنسان، وهما معلمان من معالم الحق في رحلته على ذلك الطريق، وهاتان النقطتان هما: الإحسان إلى الوالدين واجتناب الشرك بالله {ووصينا الإنسانَ بوالديهِ حُسنا، وإن جاهداك لتشركَ بي ما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما}..
ثم تعود السورة لتلح على أذهاننا بحقيقة ذلك الطريق الذي يجب علينا أن نسلكه {ومن الناسِ من يقولُ آمنا فإذا أُوذي في اللهِ جعلَ فتنةَ الناسِ كعذابِ الله...}!! ويخبرنا بالنهاية التي ستئول إليها الأمور: {وليعلمنّ اللهُ الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين}... إذن... فهو توصيف لرحلة الإنسان على الأرض بما يتمايز فيه طريق الحق عن طريق الضلال... وبما ينتج عنه من إيمان أو كفر، وبما تنتهي إليه من جنة أو جحيم!!....
ونفهم من سياق الآيات بأن تلك المقدمة إنما كانت ضرورة موضوعية لا غنى عنها؛ لإعداد السامع لما سيتم تقديمه من عرض خطير!!... هو رحلة البشرية جميعها: بنماذجها، بشخوصها، بمقدماتها وبنتائجها،ببداياتها وبنهاياتها المتناقضة: فريق في الجنة وفريق في الس***!!...
وهنا تبتدئ رحلتنا مع النموذج الذي نحن بصدده {كمثلِ العنكبوتِ اتخذتْ بيتاً} ولنلاحظ أن منهج "التكامل" الذي نتحدث عنه يرصد آية العنكبوت المشار إليها (ورقمها 41) فيجعل بدايتها قبل ذلك بكثير؛ فبدايتها تحديداً هي الآية(12)… ولكي لا نضيع في التفاصيل فلنتذكر دائماً أن كل حلقة من الحلقات التي تعرضها السورة إنما تمثل رحلة كل نبي مع قومه، والتي تعرضها السورة من خلال خمسة عناصر أساسية، إلا إذا اقتضت ،خصوصية ما، عرض الرواية من خلال بعض عناصرها فقط وليس كلها، والعناصر التي نتحدث عنها وتكاد تتكرر في قصة كل نبي مع قومه هي:
1- وجود انحراف بشري عن خط الرسالة الإلهية؛ نتيجة لما يزينه الشيطان في صدور أوليائه. وإرسال الرسل ،من ثمّ، لتقويم ذلك الانحراف.
2- تكذيب الأقوام المختلفة بالمرسلين إليهم.
3- إيقاع الله العذاب بالمكذبين.
4- يترك الله عز وجل في بيوت المكذبين آية تدل على ما حاق بهم من عقاب.
5- يقيم الله عز وجل الحجة علينا بأن يأمرنا بالنظر في تلك الآيات واستقاء العبرة منها!..
وضمن السياق العام للعناصر الخمسة التي أوردناها فسنجد أن الآية (13) من سورة "العنكبوت" (بداية رسم الصورة الفنية بعد أن كانت الآية 12 مقدمة موضوعية لابد منها) وتتحدث الآية (13) عن حلقة من حلقات السلسلة الرسالية، وتجربة من تجارب الرسل على هذه الأرض، فهي تتحدث عن رسالة نوح عليه السلام: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبثَ فيهم ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عاماً}..
وتنتهي قصة قوم نوح عليه السلام بالحديث عن النهاية المأساوية للمكذبين: {...فأخذَهُمُ الطوفانُ وهم ظالمون}...
...ويتم القصد والغرض من إيراد القصة بأن تطلب الآيات ممن يأتي من بعد أن يأخذ العبرة مما حدث، وان يتعظ بالآيات التي تُركت في ديار المكذبين: {فأنجيناهُ وأصحابَ السفينةِ وجعلناها آيةً للعالمين}!!...
ويشير القرآن الكريم إلى العلامات التي تركها العقاب في ديار الظالمين، وتجعل الآيات الكريمة من تلك العلامات معالم بارزة في هذه الرواية وفي كل رواية، فهي تعني العبرة، وتعني قيام الحجة الإلهية واستمرارها على الخلق أجمعين ما بقيت تلك العلامات والآيات، حيث تقتضي العناية الإلهية قيام الحجة قبل وقوع العقاب {وما كُنا مُعذبينَ حتى نبعثَ رسولا}!!...
وبعد أن يتم إغلاق الملف الأول (الحلقة الأولى في السلسلة) يتم فتح ملف آخر، إذا ما قرأناه بطريقة تكاملية لوجدنا أن له ،تقريبا، نفس الملامح والتقاسيم، بل وله نفس العناصر الأساسية التي تحدثنا عنها{وإبراهيم إذ قالَ لقومهِ اعبدوا الله واتقوه...}... وهذا هو العنصر الأول من العناصر الخمسة التي ترسم ملامح الرواية الإنسانية!..
{فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرِّقوه} وهذا هو العنصر الثاني... حيث التكذيب بما يجيء به الرسل!...
وهنا يجدر بنا التوقف قليلاً لنتعرف على خاصية مهمة يتميز بها النص القرآني الكريم، وهي الخاصية التي كانت سببا ،في كثير من الأحيان، في إعاقة العقل البشري ،بقدراته المحدودة، عن المتابعة الدقيقة لما يلقيه النص في الروع من معاني، بما يشير إلى أن "الحركة التركيبية للنص القرآني الكريم هي أسرع ،وبما لا يقاس، من الحركة التفسيرية للعقل البشري"!... وتشتمل الحركة التركيبية الفريدة للنص القرآني على مجموعة من عمليات التفرع عن الأصل الواحد أو ما نطلق عليه بـ "السياق" ثم العودة إلى ذلك الأصل (أو السياق) مرة أخرى، ويكمن عجز العقل البشري في: عدم قدرته على التمييز بين نقاط التفرع عن الأصل ونقاط العودة إليه!!.. مما يجعل النص (من وجهة نظر العقل) وكأنه مجموعة غير متجانسة من الآيات؛ التي تعطي مجموعة غير متناسقة من الإشارات... مما ينتج عنه ،في كثير من الأحيان، ضياع الخيط الأصلي الذي يشد أزر الرواية ويحدد اتجاهاتها!!...
وإذا ما طبّقنا مقولتنا حول "تفرع النص وعودته للتجمع من جديد" على الآيات الواقعة بين الآية رقم (16) والآية رقم (23) من السورة {وإبراهيم إذ قالَ قومِهِ اعبدوا الله واتقوه ذلك خيرٌ لكم إنْ كُنتم تعلمون}(الآية16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا...(17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم...(18) أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده(19) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق...(20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء...(21) وما أنتم بمعجزين في الأرض...(22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي...(23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار..(24)؛ وبالنظر للآيات المشار إليها فسنجد أنها تتحدث عن أمور فرعية ليست من أصل الرواية، لكنها ضرورية لرسم ملامحها على كل حال!!..
ولنتابع حركة الآيات المتفرعة عن الخط الأصلي للرواية في حلقتها الثانية، والتي تتحدث عن نبي الله إبراهيم، لتكون لنا نموذجا هاديا في كيفية استقراء الآيات... ومن استقرائنا للآيات المتفرعة سنلاحظ أمرين في غاية الأهمية:
أولهما: هو أن التفاصيل الدقيقة الواردة في تجربة نبي الله إبراهيم إنما هي مجرد مثال يمكن أن ينطبق على تجارب الآخرين من أنبياء الله ورسله الكرام، لذا فلن تكون هناك حاجة لتكرار ذكرها في التجارب الآتية.
وثاني تلك الأمور: هو أن الآيات المتفرعة تحتوي في كثير من الأحيان على إشارات لا يمكن فهمها إذا ما انتزعت من سياقها، بل يتأتى ذلك فقط في حالة النظر إليها ضمن السياق العام الذي تطرحه الآيات، وهو الأمر الذي سنقوم به في سياق تعاملنا مع النموذج الذي بين أيدينا... وعلى سبيل المثال فإن الآية الكريمة: {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق...}(الآية20) وكذلك الآية الكريمة {وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين}((38) لا يمكن فهمهما إلا ضمن السياق العام الذي سنخلص إليه في نهاية هذا التحليل!!...
وبعد أن يكون التفرع في قصة إبراهيم قد أبعدنا قليلا عن الحبكة الأساسية للقصة؛ فسنجد النص وقد عاد ليلتحم وليتوحد مع خطه الأساسي من جديد: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرّقوه، إن في ذلك لآياتٍ لقومٍ يؤمنون}(24)!!!...
وهنا وجدنا أن العناصر الخمسة التي تحدثنا عنها لم تكتمل، ذلك أن الرواية ستعود للتفرع مرة أخرى!!. {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم...}(الآية:25)...
بل إن النص الكريم ينحو منحى مدهشاً وذلك عندما يقوم بإيراد تجربة أخرى ضمن تجربة لم ينتهِ الحديث عنها بعد!! {فآمن له لوط..} ونجد هنا نموذجا من النماذج التركيبية الفريدة، فقد أُشرك لوطٌ وإبراهيم في حبكة قصصية واحدة، ذلك أن زمانهما واحد، ومكانيهما متقاربان!...
ويستمر الاستطراد في رسم الخيوط الثانوية للرواية وذلك من خلال رسم الملامح الثانوية([1]) في حياة الرسل أنفسهم من حيث هم بشر يتزوجون، ويتناسلون، {ووهبنا له إسحقَ ويعقوب..}(27)، {ولوطاً إذ قالَ لقومِهِ إنكم لتأتونَ الفاحشةَ...}(28).... إلى أن تلتقي الرواية المزدوجة لإبراهيم ولوط بنهايتها الطبيعية والحتمية: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذابِ الله إن كنتَ من الصادقين، قال ربِّ انصرني على القوم المفسدين...}(30) {ولما جاءت رسُلُنا إبراهيمَ بالبشرى قالوا إنّا مهلكو أهلِ هذه القرية...}(31) ... {إنا مُنزلون على أهلِ هذه القرية رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون}(34)، {ولقد تركنا منها آيةً بينةً لقومٍ يعقلون}... وباستقرار آية العقاب في ديار الهالكين تكون العناصر الخمسة للرواية قد اكتملت، عندما ترك الله عز وجل الآيات لقوم يعقلون!!...
وبعد كل هذا الاستطراد في رسم ملامح قصة إبراهيم ولوط مع قومهما، يكون القرآن الكريم قد أكمل ثلاث حلقات من السلسلة الرسالية (نوح، وإبراهيم، ولوط)... لينتقل النص ،بعد ذلك، إلى حلقة جديدة هي قصة أهل مدين ونبيهم شعيب... وفي هذا يقول عز من قائل: {وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعيباً...}(الآية:36)... {فكذّبوه فأخذتهمُ الرجفةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين}(الآية:37)...
ولدهشتنا فإن قصة شعيب مع قومه تنتهي بسرعة، حتى دون أن تكتمل عناصرها الخمسة، بل يُعطف عليها (وبكلمات معدودة) قصة عاد وثمود، والتي تأتي ،هي كذلك، في منتهى الاختصار، لنفاجأ بالعودة إلى عنصر رئيس من عناصر كل رواية ألا وهو النهاية الحتمية، تلك النهاية التي تنطبق هنا على الحلقتين معا {وعاداً وثموداً وقد تبين لكم من مساكنهم...}(38)... ولعل الجمع بين الحلقتين في رواية واحدة قد جاء نتيجة لاشتراكهما ،هذه المرة، في نوع العقاب الذي أوقعه الله بهما!!...
ومشهد غريب هو ذلك الذي تنتهي به الآية السابقة (38)، {وعاداً وثموداً وقد تبين لكم من مساكنهم وزَيَنَ لهم الشيطانُ أعمالَهم فصدَّهم عن السبيل وكانوا مستبصرين}(38) فبشكل خاطف وجدنا الآيات تنعطف انعطافا حاداً لتتحدث عن الشيطان وزينته التي يوقع الناس من خلالها في شرّ أعمالهم، دون أن يكون السياق العام للآيات يوحي أو ينبئ بهذه الانعطافة، لتنتهي الآية بشكل أكثر غرابة {فصدّهم عن السبيلِ وكانوا مُستبصرين}(38)...
وكأن الآيات تسخر من أولئك الذين وقع العقاب عليهم، حيث كانوا منقادين إلى أقدارهم بعيون مفتوحة، لكنهم لم يكونوا قادرين على رؤية الأخطار التي كانت محدقة بهم... إذ لم يكونوا مبصرين!... بل كانوا مستبصرين، أي مجردّ مدّعي بصيرة!!...
ولنلاحظ أنه لم تكن هناك حاجة لإبراز العنصر الخامس من عناصر هذه الرواية المشوقة (الأمر بالنظر في الآيات التي أبقاها الله في بيوت الظالمين) وذلك لسبب غاية في البساطة!، إذ لم تعد تلك الآيات والعلامات قادرة على الثبات والبقاء في وجه عوامل الزمن، وعوامل التعرية الجيولوجية، وكل العوامل الأخرى التي يكسبها الإنسان بيديه!... فحيث يتطاول الزمن فتنهد له الجبال هدا، وحيث تنكشف الأرض كل يوم عن وجه جديد، وحيث يسلب الإنسان أخاه الإنسان قدرته على التحرك بحرية لينظر في الآيات... ساعتها يكون الإنسان قد سلب ،عمليا، قدرته على النظر في الآيات المنتشرة في أرجاء الأرض... مما يترتب عليه سؤال في غاية الأهمية: هل تسقط ،والحالة هذه، حجة الله على الناس، وهو الحق، العدل، الذي يقول في محكم التنزيل: {وما كُنا مُعذبين حتى نبعثَ رسولا}؟!!...
من هنا فإن تأملا للنموذج الأخير الذي عرضناه (مدين، وعاد، وثمود) يكاد يكشف عن قرب طرح المفاجأة التي تكاد تلجم الأفواه، بل تكاد تذهب بالعقول؟!! لكن وقبل ذلك كله تأتي الآيات بحلقة أخيرة مختصرة (تجربة نبي الله موسى عليه السلام مع كل من قارون وفرعون وهامان)، لتأتي الآيات بعد ذلك بإجمال لأهم وأبرز ما تم عرضه في الحلقات السابقة؛ كلون من ألوان العرض الأخير قبل طرح المفاجأة... {وقارونَ وفرعونَ وهامان، ولقد جاءهم موسى بالبيِّناتِ فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين}...
ونلاحظ هنا أن الآيات الكريمة لم تجد حاجةً لاستكمال العناصر الخمسة؛ بل اكتفت بإيراد جزءٍ منها، ذلك أنه لا فائدة من طرح عناصر لن يكون لها فائدة عملية في حياة الناس، فالآيات قد ذهبت، والشواهد قد اندثرت، والدلائل كلها انقرضت، فماذا يكون حال الناس؟
...لكن وقبل أن تطرح الكلمة الفصل فإن القرآن الكريم يجمل كل ما تقدم من نهايات أليمة في حياة الأقوام السالفين: {فكلاً أخذنا بذنبِهِ، فمنهم من أرسلنا عليهِ حاصباً، ومنهم من أخَذَتْهُ الصيحةُ، ومنهم منْ خسفنا به الأرضَ، ومنهم من أغرقنا، وما كانَ اللهُ ليظلمهم ولكن كانوا أنفسَهُم يظلمون}(الآية:40).
وهنا تأتي مفاجأة هذه السورة!، لتوضح لنا سر ذلك الاختيار العجيب لتلك الحشرة؛ كي تكون محوراً تدور حوله أحداث السورة وتكون اسما لها: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا}...
والصورة التمثيلية المرسومة ابتداء من الآية (41) إنما يقصد من ورائها أن تكون صورة فنية تقابل أختها التي رسمتها الآيات المحصورة بين الآيات(14-40)، وعليه؛ فهي ليست مجرد إشارة عابرة ككل الإشارات التي سبقتها... بل قصد منها أن تكون خلاصة الخلاصات، ونهاية النهايات، وعبرة العبر!... فمن لم تحالفه قدرته وأقداره على النظر في الآيات التي تركها الله في بيوت الظالمين ،لأي سبب كان، فإن حجة الله عز وجل لن تسقط عنه، ذلك أن الله عز وجل (كرما منه ورحمة) قد بثها كاملة غير منقوصة في بيت العنكبوت، فمن منّا لم يرّ بيت العنكبوت من قبل؟!…
من منا من لم ير الحشرات (يقابلها أولياء الشيطان) وقد تخايلت لها زينة بيت العنكبوت من بعيد (يقابلها ما يزينه الشيطان لأوليائه)..
ومن منا من لم يلمح الحشرة وهي تقترب مبصرةً على غير بصيرة (وكانوا مستبصرين) إلى أن وقعت في حبائل العنكبوت وزينته (حبائل الشيطان بالنسبة للإنسان)؟؟ ومن منا من لم يأتِ بيت العنكبوت بعد عدة أيام ليشاهد فيه آيات العذاب التي حلت بالمخدوعين!!
إن التأمل في سورة العنكبوت يكشف عن عمق الملحمة التي ترسمها هذه السورة، والتي هي عينها ملحمةُ مستمرة تؤرخ لنضال الرسل ومآل الرسالات، وآية العنكبوت([2]) هي تلخيص معجز وبليغ لتلك النتيجة.. والتي تفيد أمرا واحدا في غاية البلاغة والأهمية ألا وهو أن حجة الله على عباده كانت، ولا زالت، وستبقى قائمة.. ومن أراد أن يتأكد فلينظر إلى بيت العنكبوت!!
([1]) هي ملامح ثانوية قياسا على بنية الرواية، وقياسا على الخط الأصلي الذي تتحدث عنه، ولا يعني ذلك ثانوية الموضوعات التي تتحدث عنها.
([2]) أخرج أبو داود في مراسيله عن يزيد بن مرثد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العنكبوت شيطان مسخها الله فمن وجدها فليقتلها". وأخرج ابن أبي حاتم عن مزيد بن ميسرة قال: العنكبوت شيطان. وروى القرطبي في تفسيره عن علي أيضاً أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيت يورث الفقر.
__________________
الكثير منا يعتقد إن الضفادع تتكاثر عن طريق فقس البيض وتطور " الشرغوف ". مع ذلك يوجد العديد من الطرق الأخرى لتكاثر الضفادع، منها ما يثير الكثير من الدهشة.
تحمل الضفادع صفات تساعدها على البقاء في مختلف البيئات. لذلك يمكنها أن تعيش في أي مكان على الأرض ما عدا القارة القطبية. تتواجد الضفادع مثلاً في الصحارى والغابات والسهول وجبال الهيمالايا والآنديز والارتفاعات التي قد تصل إلى 5000 متراً، إلا أن المناطق المدارية هي أكثر المناطق ازدحاماً بالضفادع، ففي الغابات المطيرة تزدحم الضفادع حيث يمكنك أن تجد 40 نوعاً منها في كل مترين مربعين في بعض الأنواع يهتم الذكور فقط بالعناية بالبيوض، بينما يتشارك الزوجان في أنواع أخرى بهذه المهمة أو تقوم بها الأم لوحدها. على سبيل المثال : تبقى ذكور الضفادع في كوستريكا تراقب البيوض لمدة تتراوح ما بين 10 ـ 12 يوماً إلى أن تفقس، وبعد مجهودات جبارة تتسلق الشراغيف ظهور الأمهات وتلتصق بها حتى تبدوان وكأنهما لحمة واحدة، بعد ذلك تتسلق الأم شجرة في الغابة تحمل أزهاراً تشبه الكأس وبتلاتها تتجه نحو السماء وتكون مملوءة بالماء، تضع الأم صغارها في هذه الزهرة وتتركها لتنمو بأمان.
وبما أن هذه المياه لا تحتوي على غذاء تضع الأم بيوضاً غير ملقحة من اجل تغذية صغارها وتتغذى الشراغيف على هذه البيوض المليئة بالبروتينات والكهربوهيدرات[1].
الضفدع المجالد هو نوع آخر من الضفادع التي تحرس المنطقة التي تحتوي على البيوض. تحمل ذكور هذا النوع أشواكها تحت أصابعها لتخدش فيها أي دخيل غريب.
يبني الذكر الإفريقي الصغير (Nectophyrne afra) بيته خارج الطين الممتلئ بالماء على شواطئ البحيرات أو الأنهار الضحلة التي تلتصق بها البيوض. بهذه الطريقة تبقى الضفادع على سطح الماء لتتنفس الأوكسجين .وقد تؤدي حركة صغيرة من ضفدع آخر أو لمسة من يعسوب يمر قريباً إلى تدمير هذه المنظومة من البيوض وإرسالها إلى القاع حيث تبقى لتموت دون أكسجين. يقوم ذكر الضفدع بحراسة البيوض، وأثناء فترة الحراسة هذه يقوم بضرب الماء بساقه ليزيد من كمية الأوكسجين الداخلية إلى البيضة عبر غشائها.
إلا أن نوعاً آخر من الضفادع ،و هو الضفدع الزجاجي، لا يقوم بحراسة البيوض، فقد ألهمه الله طريقة أخرى لذلك. تضع هذه الضفادع بيوضها على صخور وبناتات البحيرات أو الأنهار المدارية وعندما تفقس البيوض تنزل الشراغيف إلى الماء.
تدحض هذه النماذج من السلوك الواعي والغيري لأنواع الضفادع المختلفة التي تدافع بوسائل مختلفة عن صغارها المزاعم الداروينية التي تقوم على أساس أن جميع المخلوقات تعيش في صراع أناني من
يعيش ضفدع سهم الليل في كوستاريكا تعتني الذكور بالبيوض حتى تفقس ثم تبدأ الشراغيب بتسلق ظهور أمهاتها بمحاولات مدهشة
أجل البقاء. إن السلوك الغيري لضفدع واحد في رعايته ودفاعه عن صغاره كاف لنسف هذه المفهوم من أساسه. علاوة على أن السلوك الذكي لهذه المخلوقات يبطل نظرية الوجود المصادفي التي قام عليها داروين. تقف هذه المخلوقات شواهد على أن الله قد خلق الكائنات الحية ووضع فيها الغريزة التي تضمن لها حياة مثالية. يقول الله تعالى لنا في كتابه الكريم (وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُون ) [الجاثية : 4].
ضفادع تتكاثر في المعدة :
آية أخرى من آيات الخلق المعجز طريقة تكاثر عجيبة ينتهجها نوع من الضفادع يطلق عليه " " ريوباتراخوس سيلوس " (Rheobatrachus silus ).
تبتلع هذه الضفادع بيوضها بعد الإخصاب، ولكن ليس لتأكلها بل لتحميها. تفقس في المعدة وتبقى هناك لمدة ستة أسابيع بعد الفقس. ولكن كيف تبقى هناك دون أن تهضم ؟ أي : إن المعدة تبقى مخصصة طول هذه الفترة للشراغيف فقط ولكن هناك خطر آخر يتهددها : إنه حمض الهيدروكلوريك والببسين، هاتان المادتان كافيتان لقتل الصغار، ولكن هذا لا يحدث، لأن الأمور محسوبة وضمن معايير خاصة. فالسوائل الموجودة في معدة الأم تتم محايدتها عن طريق مادة أخرى تشبه الهرمون وتدعى بروستاغلاندين 2 prostagl***in E تفرزها كبسولات البيوض من جهة والشراغيف من جهة أخرى. وهكذا ينمو الصغار بصحة جيدة على الرغم من أنها تسبح في بركة حمضية.
السؤال الذي يطرح نفسه هو : كيف تتغذى الشراغيف في معدة فارغة ؟ هذه أيضاً مسألة محلولة. إن بيوض هذه الأنواع أكبر من غيرها بشكل ملحوظ، لأنها تحتوي على صفار غني بالبروتين، يكفي لتغذية الصغار لمدة ستة أسابيع.
والآن حان وقت الولادة، يتمدد المري خلال الوضع تماماً كما يتمدد الرحم عند الثديات وعندما تخرج الصغار يعود كل من المري والمعدة إلى الحالة الطبيعية وتبدأ الأنثى بتناول طعامها [2].
ينسف نظام التكاثر لدى هذا النوع من الضفادع المزاعم التطورية من أساسها، لأنه نظام معقد ومترابط. كل خطوة من هذه العملية مرتبط بعناية لتضمن حياة هذا الشرغوف. يجب أن تبتلع الأم البيوض أولاً وأن تتوقف عن تناول الطعام لمدة ستة أسابيع، بينما يتحتم على البيوض أن تفرز مادة هرمونية لتعدل الوسط الحامضي للمعدة. أما البروتين الإضافي الذي يقدمه صفار البيضة فهو ضرورة أخرى. لا يمكن أن يتوسع مري الأنثى عن طريق المصادفة لتضع صغارها. إن أي خلل مهما كان صغيراً في هذه السلسلة من الأحداث كفيل بإهلاك الصغير واستمرار هذا الخلل يعني انقراض النوع.
لهذا السبب لا يمكن أن تكون نظرية " الخطوة خطوة " ممكنة التطبيق على هذا النوع من الضفادع. لقد خلق أول ضفدع من نوع رهوباتوشوس (Rheobatrachus silus ) بكامل مقوماته وصفاته من اللحظة الأولى. إن كل المخلوقات التي عرضناها حتى الآن تبرهن على الحقيقة ذاتها : تصميم معجز يشمل الطبيعة بكامل أركانها. لقد خلق الله المخلوقات على جانب من التعقيد الذي لا يمكن تفكيكه، إنه العلم المطلق والقدرة الإلهية اللامتناهية :
إن أروع اللحظات هي تلك التي يكتشف فيها المؤمن معجزة جديدة في كتاب الله تعالى، عندما يعيش للمرة الأولى مع فهم جديد لآية من آيات الله، عندما يتذكر قول الحقّ عزَّ وجلَّ: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [النمل: 93]. وفي هذا البحث سوف نعيش مع آية جديدة ومعجزة مبهرة وحقائق يقينية تحدث عنها القرآن قبل أربعة عشر قرناً، ويأتي علماء الغرب اليوم في القرن الحادي والعشرين ليردِّدوها بحرفيتها!!
ولا نعجب إذا علمنا أن العلماء قد بدءوا فعلاً بالعودة إلى نفس التعبير القرآني! وهذا الكلام ليس فيه مبالغة أو مغالطة، بل هو حقيقة واقعة سوف نثبتها وفق مبدأ بسيط (من فَمِكَ أُدينُك). وفي هذا رد على كل من يدعي بأن القرآن ليس معجزاً من الناحية العلمية والكونية.
بداية القصة
وقد بدأت قصتي مع هذه السلسلة من الأبحاث (1) عندما كانت تستوقفني آيات من كتاب الله تعالى لا أجد لها تفسيراً منطقياً أو علمياً، وبعد رحلة من البحث بين المواقع العلمية وما يجدّ من اكتشافات في علوم الفلك والفضاء والكون، إذا بي أُفاجأ بأن ما يكتشفه العلماء اليوم قد تحدث عنه القرآن بمنتهى الوضوح والدقة والبيان.
ولكن هذه المرة حدث العكس، فقد لاحظتُ شيئاً عجيباً في الأبحاث الصادرة عن تركيب الكون ونشوئه وبنائه. فقد بدأ علماء الفلك حديثاً باستخدام كلمة جديدة وهي: (بناء). فعندما بدأ العلماء باكتشاف الكون أطلقوا عليه كلمة (فضاء) أي space ، وذلك لظنّهم بأن الكون مليء "بالفراغ". ولكن بعدما تطورت معرفتهم بالكون واستطاعوا رؤية بنيته بدقة مذهلة، ورأوا نسيجاً كونياً cosmic web محكماً ومترابطاً، بدءوا بإطلاق مصطلح جديد هو (بناء) أي building .
إنهم بالفعل بدءوا برؤية بناء هندسي مُحكم، فالمجرات وتجمعاتها تشكل لبنات هذا البناء، كما بدءوا يتحدثون عن هندسة بناء الكون ويطلقون مصطلحات جديدة مثل الجسور الكونية، والجدران الكونية، وأن هنالك مادة غير مرئية سمّوها بالمادة المظلمة أي dark matter ، وهذه المادة تملأ الكون وتسيطر على توزع المجرات فيه، وتشكل جسوراً تربط هذه المجرات بعضها ببعض (2).
شكل (1) نرى أنواعاً متعددة من المجرات تسبح في الكون وتشكل لبنات بناء في هذا الكون الواسع. وتوجد في الكون المرئي من هذه المجرات أو "اللبنات" مئات البلايين!! وبالرغم من ذلك لا تشكل إلا أقل من 5 بالمئة من البناء الكوني، أما الـ 95 بالمئة الباقية فهي مادة مظلمة لا تُرى. إن كل مجرة من هذه المجرات تحوي أكثر من مئة ألف مليون نجم! فسبحان مبدع هذا البناء العظيم.
لقد بدءوا يطلقون مصطلحات غريبة أيضاً. فالصور التي رسمتها أجهزة السوبر كومبيوتر أظهرت الكون وكأن المجرات فيه لآلِئ تزين العقد pearls ! لقد اكتشفوا أشياء كثيرة وما زالوا. وكل يوم نجدهم يطلقون أبحاثاً جديدة وينفقون بلايين الدولارات في سبيل هذه الاكتشافات، بل ويؤكدون هذه الاكتشافات عبر آلاف الأبحاث العلمية.
تطابق مذهل
والعجيب جداً أن القرآن الكريم تحدث بدقة فائقة عن كل هذه الأمور! والدلائل التي سنشاهدها ونلمسها هي حجّة قوية جداً على ذلك. وسوف نضع أقوال أهم الباحثين على مستوى العالم بحرفيتها، وبلغتهم التي ينشرون بها أبحاثهم، ومن على مواقعهم على الإنترنت، والتي يمكن لكل إنسان أن يرى هذه الأقوال مباشرة. ونتأمل بالمقابل كلام الله الحقّ عزّ وجلّ، ونقارن ونتدبّر دون أن نحمِّل هذه الآيات ما لا تحتمله من التأويلات أو التفسيرات.
سوف نرى التطابق الكامل بين ما يكشفه العلم اليوم وبين ما تحدث عنه القرآن قبل قرون طويلة. ولكن قبل التعرف إلى هذه الحقائق لا بدّ أن نقف على أحد الانتقادات المزعومة التي تُوجَّه للإعجاز العلمي.
انتقادات واهية
صدرت بعض المقالات مؤخراً يتساءل أصحابُها: إذا كانت هذه الحقائق العلمية والكونية موجودة في القرآن منذ 1400 سنة، فلماذا تنتظرون الغرب حتى يكتشفها ثم تقولون إن القرآن قد سبقهم للحديث عنها؟ ولماذا تحمّلون النص القرآني ما لا يحتمل من التأويل والتفسير؟
والجواب نجده في نفس الآيات التي جاء فيها التطابق بين العلم والقرآن، فهذه الآيات موجهة أساساً للملحدين الذين لا يؤمنون بالقرآن، خاطبهم بها الله تعالى بأنهم هم من سيرى هذه الحقائق الكونية وهم من سيكتشفها. لذلك نجد البيان الإلهي يقول لهم: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت: 53].
هذه الآية الصريحة تخاطب أولئك الذين يشككون بالقرآن، وأن الله سيريهم آياته ومعجزاته حتى يدركوا ويستيقنوا أن هذا القرآن هو الحق، وأنه كتاب الله تعالى. ويخاطبهم أيضاً بل ويناديهم بقوله تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) [النساء: 82]. إذن لو كان هذا القرآن من عند بشر غير الله تعالى، لرأينا فيه الاختلافات والتناقضات، ولكن إذا رأيناه موافقاً ومطابقاً للعلم الحديث ولا يناقضه أبداً، فهذا دليل على أنه صادر من الله تبارك وتعالى فهو خالق الكون وهو منزِّل القرآن.
وهذا هو هدف الإعجاز العلمي، أن نرى فيه التناسق في كل شيء، ولا نجد فيه أي خلل أو خطأ أو تناقض، وهذه مواصفات كتاب الله تعالى. بينما كتب البشر مهما أتقنها مؤلفوها سيبقى فيها التناقض والاختلاف والأخطاء. وأكبر دليل على صدق هذه الحقيقة القرآنية أن العلماء بدءوا يغيرون مصطلحاتهم الكونية: مثل (فضاء) إلى (بناء). إذن هم اكتشفوا أنهم مخطئون في هذه التسمية فعدلوا عنها إلى ما هو أدق وأصحّ منها بعدما اكتشفوا المادة المظلمة. ولكن القرآن المنزَّل من الذي يعلم أسرار السماوات والأرض، أعطانا التعبير الدقيق مباشرة، وهذا ما سنراه الآن.
إن هذه الاكتشافات لو تمَّت على أيدي مؤمنين ثم قالوا إنها موجودة في القرآن إذن لشكَّك الملحدون بمصداقيتها، وقالوا بأنها غير صحيحة. ولكن المعجزة أنك تجد من ينكر القرآن يردِّد كلمات هذا القرآن وهو لا يشعر!! وفي هذا إعجاز أكبر مما لو تمَّ الاكتشاف على أيدي المؤمنين. ولو تتبعنا آيات القرآن الكونية نجدها غالباً ما تخاطب الملحدين البعيدين عن كتاب الله والمنكرين لكلامه تبارك وتعالى. فالمؤمن يؤمن بكل ما أنزل الله تعالى، وهذه الحقائق العلمية تزيده يقيناً وإيماناً بخالقه سبحانه وتعالى. أما الملحد فيجب عليه أن ينظر ويتأمل ليصل إلى إيمان عن قناعة، وليدرك من وراء هذه الحقائق صدق هذا الدين وصدق رسالة الإسلام.
"لبنات بناء"
وهذا مثال على كلمات رددها علماء غربيون حديثاً وهي موجودة في القرآن قبل مئات السنين. ففي أحد الأبحاث التي أطلقها المرصد الأوروبي الجنوبي يصرح مجموعة من العلماء بأنهم يفضلون استخدام كلمة (لبنات بناء من المجرات) بدلاً من كلمة (المجرات)، ويؤكدون أن الكون مزيَّن بهذه الأبنية تماماً كالخرز المصفوفة على العقد أو الخيط!!
أليس القرآن هو كتاب الحقائق الكونية؟؟ "مصابيح السماء وزينتها" هذا هو عنوان البحث القادم بإذن الله تعالى، لنرى من خلاله التطابق الكامل بين ما يكشفه العلم من حقائق كونية يقينية، وبين كلمات القرآن الكريم. وسوف نرى بأن القرآن قد وصف النجوم بكل مراحلها، من الغبار أو الدخان الكوني وحتى الثقب الأسود أوجه الإعجاز والسبق العلمي للآيات تساؤلات نكررها دائماً في سلسلة المقالات هذه: لو كان القرآن من تأليف محمد عليه صلوات الله وسلامه، إذن كيف استطاع وهو النبي الأمي أن يطرح سؤالاً على الملحدين ويدعوهم للنظر في كيفية بناء الكون؟ كيف حدَّد أن النجوم تزين السماء؟ ومن أين أتى بمصطلحات علمية مثل "بناء" و "مصابيح"؟ كيف علم بأن الكون لا يوجد فيه أية فراغات أو شقوق أو فروج أو تفاوت؟ من الذي علَّمه هذه العلوم الكونية في عصر الخرافات الذي عاش فيه؟ إن وجود تعابير علمية دقيقة ومطابقة لما يراه العلماء اليوم دليل على إعجاز القرآن الكوني، ودليل على السبق العلمي لكتاب الله تعالى في علم الفلك الحديث. وفي كتاب الله تعالى نجد أن كلمة (بناء) ارتبطت دائماً بكلمة (السماء). وكذلك ارتبطت بزينة الكون وتوسعه، يقول تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات: 47]. والعجيب أننا لا نكاد نجد بحثاً حديثاً يتناول البناء الكوني، إلا ونجدهم يتحدثون فيه عن توسع الكون!! وهذا ما فعله القرآن تماماً في هذه الآية العظيمة عندما تحدث عن بنية الكون (بَنَيْنَاهَا) وعن توسع الكون (لَمُوسِعُونَ). أي أن القرآن هو أول كتاب ربط بين بناء الكون وتوسعه. ويمكن للقارئ الكريم أن يطلع على بعض المقالات في نهاية البحث من مصادرها الأساسية ليرى هذا الربط في الأبحاث الصادرة حديثاً. وسؤالنا من جديد: ماذا يعني أن نجد العلماء يستخدمون التعبير القرآني بحرفيَّته؟ إنه يعني شيئاً واحداً وهو أن الله تعالى يريد أن يؤكد لكل من يشكّ بهذا القرآن، أنهم مهما بحثوا ومهما تطوروا لا بدّ في النهاية أن يعودوا للقرآن! هنالك إشارة مهمة في هذه الآيات وهي أنها حددت من سيكتشف حقيقة البناء الكوني، لذلك وجَّهت الخطاب لهم. ففي جميع الآيات التي تناولت البناء الكوني نجد الخطاب للمشككين بالقرآن، ليتخذوا من اكتشافاتهم هذه طريقاً للوصول إلى الله واليقين والإيمان برسالته الخاتمة. واستمع معي إلى هذا البيان الإلهي يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 21-24]. ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك... الهوامش (1) انظر الجزء الأول من هذه السلسلة بعنوان "النسيج الكوني بين العلم والقرآن" والواردة على هذا الموقع في قسم الإعجاز في السماوات. (2) المادة المظلمة هي مادة تملأ أكثر من 95 % من الكون، وهي لا تُرى أبداً ولكن هنالك دلائل كثيرة تؤكد وجودها. لمزيد من الاطلاع هنالك مئات المقالات العلمية والاكتشافات حول هذه المادة، انظر مقالة بعنوان "المادة المظلمة في قلب المجرّات" على موقع الكون اليوم: رد لرؤية الرابط (3) مقالة بعنوان (لمحة عن النسيج الكوني) لثلاثة من علماء الغرب الأكثر شهرة في هذا المجال وهم: عالم الفلك بول ميلر من معهد الفيزياء الفلكية بألمانيا وجون فينبو من نفس المعهد، وبارن تومسون من معهد الفيزياء والفلك بالدانمارك، كما يرجى الاطلاع على التفاصيل على موقع المرصد الأوروبي الجنوبي بألمانيا على الرابط: رد لرؤية الرابط (4) انظر هذه المقالة عن كيفية تشكل الكون وبنائه على الرابط: رد لرؤية الرابط (5) انظر مثلاً معجم لسان العرب في معنى كلمة (فَرَجَ). (6) انظر مقالة عن المادة المظلمة متوفرة على موقع الفلك والرابط هو: رد لرؤية الرابط (7) انظر هذه المقالة على موقع وكالة ناسا على الرابط رد لرؤية الرابط (8) انظر خبر بعنوان: "كيف تشكل البناء الكوني" جائزة كارفورد لعام 2005 والصادرة عن الأكاديمية السويدية الملكية للعلوم، والمقالة هي للباحثين الثلاثة: جيمس كان وجيمس بيبلس من جامعة برينستون الأمريكية، ومارتين ريز من معهد الفلك في جامعة كامبريدج البريطانية. هذه المقالة متوفرة على الرابط: رد لرؤية الرابط وانظر أيضاً إحدى المقالات بعنوان: "متى تشكلت الأبنية الكونية الأولى": وهذه المقالة متوفرة على موقع وكالة ناسا للفضاء على الرابط: رد لرؤية الرابط (9) نفس المقالة السابقة. (10) راجع تفسير الطبري، في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ). (11) تفسير القرطبي لقوله تعالى: (الذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ). (12) تفسير الطبري لقوله تعالى: (والسماء بناء) في سورة البقرة الآية 22. (13) انظر مقالة بعنوان: الأكثر بعداً في الكون، والتي تتحدث عن النجوم المصابيح __________________
يقول القرطبي في تفسيره (1) التفسير قوله تعالى: )يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير). قوله تعالى (يكاد البرق يخطف أبصارهم( يكاد معناه يقارب، يقال: كاد يفعل كذا إذا قارب ولم يفعل.
ومن كلام العرب: كاد النعام يطير، وكاد العروس يكون أميراً، لقربهما من تلك الحال. وكاد فعل متصرف على فعل يفعل. وقد جاء خبره بالاسم وهو قليل، قال: وما كدت آئبا . ويجري مجرى كاد كرب وجعل وقارب وطفق، في كون خبرها بغير أن، قال الله عز وجل: (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) لأنها كلها بمعنى الحال والمقاربة، والحال لا يكون معها أن، فأعلم.
قوله تعالى: (يخطف أبصارهم) الخطف: الأخذ بسرعة، ومنه سمي الطير خطافاً لسرعته. فمن جعل القرآن مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم. ومن جعله مثلاً للبيان الذي في القرآن فالمعنى أنهم جاءهم من البيان ما بهرهم. ويخطف ويخطف لغتان قرىء بهما. وقد خطفه (بالكسر) يخطفه خطفاً.
قلت: وروي عن الحسن أيضاً و أبي رجاء يخطف . قال ابن مجاهد: وأظنه غلطا، واستدل على ذلك بأن (خطف الخطفة) لم يقرأه أحد بالفتح. (أبصارهم) جمع بصر، وهي حاسة الرؤية. والمعنى: تكاد حجج القرآن وبراهينه الساطعة تبهرهم. ومن جعل البرق مثلا للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم.
أما في تفسير ابن كثير (2) (يكاد البرق يخطف أبصارهم) أي لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم وعدم ثباتها للإيمان، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (يكاد البرق يخطف أبصارهم) يقول يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين وقال ابن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس (يكاد البرق يخطف أبصارهم) أي لشدة ضوء الحق كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا أي كلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه وتارة تعرض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين.
شكل (1) يعتبر البرق من الظواهر الخطيرة والمدمرة والمميتة، فهو يصيب الأجهزة الكهربائية، ويصيب المباني والإنسان.
تأثير البرق على العين
يمكن القول بأن العين أهم أجزاء الجسم الذي جذب انتباه الأطباء والعلماء في مختلف التخصصات... وبالإضافة إلى تنافس الأطباء في معرفة أمراض العيون وعلاجها، تنافس أيضاً علماء النفس في البحث في العين ومدى تعبيرها عن العواطف وكوامن النفس ، إذ أن لمحة واحدة قد تفصح عما يفكر فيه الإنسان مهما حاول إخفاءه، ولذلك قالوا: العين مرآة النفس.
قالوا أيضاً: عندما يتكلم الإنسان فأصغ إلى عينيه! ناهيك عما أبدعه الشعراء والكُتَّاب في وصف العين وسحرها وفتنتها ومدى تأثيرها في النفوس ... وسنذكره في موضوعه بإذن الله تعالى. وإذا اعتبرنا أن العين جزء من المخ وأن المخ هو قمة الرأس فإن المكان فعلاً يكون أعلى بقعة في الجسد ، ولا شك أن الخالق جل وعلا أراد بذلك أن يكون لها السبق والميزة على غيرها من الحواس لتلقى المثيرات الخارجية وإدراك كنهها والتفاعل تجاهها، وهذه الخصائص الثلاثة: التلَّقي والإدراك والتفاعل، لا تكون في أوج الأداء إلا مع نعمة البصر، وذلك لحماية الجسد واستمرار الحياة كما أن كل الحواس الأخرى وخاصة السمع مسخرة لخدمة البصر.
ولقد ذكر المولى عز وجل في محكم آياته السمع دائماً قبل البصر، وليس معنى ذلك أن السمع أهم من البصر، إنما هذا الذكر من ناحية الخلق فقط وليس من ناحية الفائدة ... وبالفعل خلق الله تعالى السمع قبل البصر وهذا ما أثبته علم الأجنة وعلم تطور الأجناس. يقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) المؤمنون : 78. ويقول أيضاً: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ) الملك: 23 وغيرها الكثير.
والمعنى واضح وهو أن الله عز وجل خلق أولاً السمع وهو الحاسة الوحيدة التي يولد بها الطفل مكتملة ، في حين أن نعمة الإبصار لا تكتمل قبل ستة أشهر من الولادة ، أما من ناحية الفائدة فإن الله عز وجل لم يذكر السمع مثلما ذكر البصر. قال تعالى: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ) الأنعام : 50. (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم) الملك: 22.
إذن فالعين أهم حاسة في جسم الإنسان، وضعت في أعلى مكان منه ، وقد وفر الله سبحانه وتعالى لها الحماية الكاملة لأهميتها، فوضعها في تجويف متين (المحجر) حدوده الأمامية ذات قوة وبأس يستطيع أن يقيها إذا حُشرت فيه وضُغط عليها) ولأهمية البصر فقد خلق الله تعالى للإنسان عينان، فأصبحت نعمة البصر حصيلة للازدواج الخلقي للعين وعلى أتم ما تكون من ناحية الأداء ، إذ يمكن تمييز البعد الثالث وهو "العمق" فتكون الصورة ذات جسم واضح طوله وعرضه وعمقه.
ويقال أنه كانت هناك عيناً ثالثة تقع في الخلف عند اتصال مؤخرة الجمجمة بالعنق ولكنها بمرور السنين انقرضت وأصبحت تمثل الآن ما يسمى بالجسم الصنوبري "Pineal body" داخل الجمجمة عند اتصال المخ بالمخيخ
شكل (2) ينتج البرق بسبب التصادم بين الشحنات الكهربائية المتعاكسة، أي السالب والموجب، ويؤدي لحدوث تيار كهربائي عالي جداً.
وتقوم العين بوظائف ثلاثة:
أولها: تقوم بعمل النافذة التي منها يستطيع الجسم أن يطل على العالم فهي جواز السفر لمشاهدة العالم وتقليب صفحاته والوقوف على مواطن الجمال فيه كما أن العالم يستطيع أن يطل منها على الجسم فيعلم حالته بالتفصيل ، فالعين توضح وتنبئ عن الشخص ، كذلك حالته الصحية يمكن الاستدلال عليها من فحص قاع العين مثل داء البول السكري والدم المرتفع وأورام المخ واضطرابات الدورة الدموية والحميات وغير ذلك ... فالعين مرآة الجسم كما قيل. وبمعنى أخر فإن الإنسان يتلخص كله ويرتكز في العين والتي تعتبر صورة مصغرة لما يدور بداخل الإنسان.
ثانيها: تقوم العين بالتعبير عن إحساسات الشخص الداخلية بما فيها من مشاعر سواء أكانت إيجابية أو سلبية. فلمعان العين يظهر عند الحب والفرح والأمل، وانطفائها يظهر عند الكره والحزن والألم. كل هذه المعاني لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال العينين. كذلك حركتها ونظرتها وتغيراتها الكونية، كل ذلك له معنى يمكن الاستفادة منه.
ثالثها: تقوم العين بالتأثير فى الغير بافتعال شعور خارجي وإحساس معين يقصد به الإيحاء بفكرة ما أو عمل ما، وهذه النقطة تجرنا للحديث عن العلاقة بين العين والروح.
البقعة العمياء Blind Spot
هناك في وسط الشبكية في المنطقة المقابلة للحدقة منطقة رقيقة من الشبكية تسمى البقعة الصفراء Macula Lutea وتوجد في وسطها نقطة منخفضة تسمى الحفيرة المركزية (Fovea) وتقع هذه النقطة على المحور البصري للعين وهذا المحور يمر من وسط الحدقة والعدسة في آن واحد.
وتوجد في الحفيرة المركزية مستقبلات مخروطية فقط ، وهى نقطة حساسة جداً وعليها تركز الصور الدقيقة حيث تتبين المرئيات.
وعلى الجهة الداخلية (الأنفية) من هذه النقطة وبحوالي 3 ملليمتر توجد منطقة عديمة الرؤية لانعدام مستقبلات الحس الضوئي عليها، وهى المنطقة التي تخرج منها ألياف العصب العيني، وتسمى النقطة العمياء Blind Spot أو القرص البصر(Optic disc) إن كل نقطة حساسة في الشبكية ترى نقطة في المشهد أمام العين. ومجموع هذه النقط يمثل مجال الإبصار، ولكن هناك المنطقة التي تخرج منها الألياف العصبية القادمة من الشبكية ومتوجهة إلى العصب البصري ثم إلى المخ.
هذه المنطقة من الشبكية لا تحتوى على أية نهايات عصبية ، أي لا تحتوى على أقماع أو عصيات ... ولذلك فإن أي صورة تقع عليها لا تراها العين. وفى الحياة اليومية لا يشعر الإنسان بذلك ، والسبب هو التأقلم وعوامل أخرى.
وهناك تجربة بسيطة يمكن لأي إنسان أن يقوم بها لاكتشاف النقطة العمياء فى العين وهى أن يرسم مثلثاً ومربعاً على ورقة بيضاء بحيث يكون المثلث على يمين المربع وبحيث يبعد الأول عن الثاني بمسافة 2.5سم ، ثم يغلق الشخص عينه اليسرى وينظر بالعين اليمنى إلى المربع ثم يقرب ويبعد الورقة عن العين حتى يلاحظ أنه لا يرى المثلث ، هنا تكون الصورة قد وقعت على حلمة العصب البصري أي النقطة العمياء (Blind Spot)
شكل (3) تبلغ سرعة البرق 300 ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، وهذه السرعة الهائلة تتناسب مع كلمة (يَخْطَفُ) والتي تعني الأخذ بسرعة، فتأمل دقة كلمات القرآن ودقة تعابيره، ودقة بلاغته وبيانه.
تأثير البرق على العين
قال تعالى: (يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير)، لما كانت قوه الضوء المنبعثة من البرق عظيمة وهائلة فان الطاقة الضوئية الواصلة تتحول إلى طاقة حرارية تتسبب في تلف منطقة الماقولة والقرص البصري، و تتطور مع الوقت وتحلل النسيج الموجود بمركز الماقولة وتتحول إلى ثقب يؤدى بدوره إلى فقد البصر المركزي بصفة دائمة.
أما جوانب الشبكية فلا يتأثر بفعل الضوء بل يظل سليما وبه يستطيع المصاب رؤية الأشياء الموجودة حول البقعة المركزية المعتمة في حقل النظر وفى ذلك التوضيح تفسير علمي لمعنى كلمة (يكاد)... فالله سبحانه وتعالى رفق بعباده وجعل أثر البرق جزئيا ... وكان باستطاعته أن يعمي العين كاملا إن أراد.
كيف يحدث البرق؟
يحدث نتيجة شحنات كهربائية تتولد عندما يتحول الماء من حال إلى حال: من الماء شديد البرودة إلى البرد أو إلى الثلج, كما تتولد عند تصادم أو ملامسة أي من هذه الحالات بعضها مع بعض, وكلما طرأ علي كل حالة من حالات الماء الصلبة والسائلة والغازية طاريء يغير من شكلها أو حجمها, أو كتلتها, أو درجة حرارتها (3).
كيف يخطف ضوء البرق البصر؟
خطف البصر أو العمى الناتج عن بريق الضوء الشديد: Flash blindnessهذا النوع من العمى ينتج من مصادر ضوء ساطع ومفاجئ مثل: البرق، الليزر، انعكاس الضوء من المباني العالية الزجاجية.
الضوء الشديد يسبب بقعة في مركز مجال الرؤية و يحدث تثبيطاً في عمل المستقبلات الضوئية في الشبكية تستمر لثوان معدودة وأحيانا دقيقة متسببا في جعل الشخص غير مبصر. أحيانا لا يحدث رجوع للقدرة على الإبصار.
ليس هذا فحسب بل إن الصاعقة - التفريغ الكهربائي الذي يحصل بين الغيوم والأرض (الصاعقة)- [عمليات التفريغ هذه تحصل في فترات وجيزة جداً (بمستوى مايكرو ثانية) ما بين 2000 أمبير إلى 200.000 أمبير] والتي تصيب بعض الأشخاص قد تؤدي في 50% من المصابين بأضرار في البصر وهذا يكون بوسائل منها:
1- مرور الصاعقة الكهربية مباشرة في الشخص.
2- أو أن الصاعقة تصيب شيئا قريبا من الشخص ثم تنتقل الشحنة الكهربية إلى الشخص الملامس (مثل شجرة ).
3- أو أن الصاعقة تصيب الأرض ثم تنتشر الى الضحية القريبة.
4- حرق ثانوي ينتج من اشتعال النار في الملابس.
5- أو ارتطام ثانوي ينتج من صدمة الصاعقة
شكل (4) بنية العين البشرية، وتأمل كيف أن التأثير يكون على العصب البصري والشبكية والقرنية والجسم الزجاجي، وهي عناصر تتعلق بعملية الإبصار ولذلك قال الله تعالى: (أبصارَهم) ولم يقل: "أعينهم"!
الأضرار التي تصيب العين
1- جرح في القرنية.
2- مياه بيضاء في العدسة بعد أيام وأحيانا سنين بعد التعرض للصاعقة.
3- حدوث نزيف في الشبكية أو انفصال.
4- ضمور أو التهاب في العصب البصري.
5- نزيف في الجسم الزجاجي.
التأثيرات الهندسية للبرق
يتسبب البرق أو الصواعق البرقية بالكثير من الأضرار للمباني والتجهيزات الكهربائية. ولذلك نجد أن المباني عادة ما تُجهَّز بمانعات الصواعق، وهي وسائل لتفريغ الشحنة الكهربائية الضخمة الناتجة عن البرق.
وبما أن البرق عبارة عن ضوء فإنه يسير بسرعة الضوء، أي بحدود ثلاث مئة ألف كيلو متر في الثاني الواحدة. وهذه السرعة الكبيرة يناسبها التعبير بكلمة (يخطف)، التي تشير للمباغتة والمفاجأة والسرعة.
حتى إن تأثيرات الومضات البراقة تصل إلى رواد الفضاء، فقد تبين أن رواد الفضاء يعانون من مشاكل في الرؤيا عندهم وتصبح ضبابية بعد عدد معين من رحلات الفضاء، ويعود سبب ذلك إلى تعرضهم لضوء الشمس المباشر وللإشعاعات الكونية.
وإذا علمنا بأن البرق يحتوي الضوء المرئي بالإضافة إلى الأشعة الخطيرة بأنواع متعددة، فإننا ربما ندرك السر في قوله تعالى: (يكاد) أي يقارب، فالكمية الضخمة من الإشعاعات والتي يطلقها البرق خلال زمن قصير جداً ذات تأثير كبير على البصر.
شكل (5) صورة لرائد فضاء في مركبته، ويلاحظ أن التعرض للفلاشات أو الومضات الضوئية المباغتة تؤدي لحدوث أضرار في عدسة العين، وقد تؤدي إلى العمى.
لمحة إعجازية في آية
إن القرآن الكريم تحدث عن خطف البصر نتيجة التعرض لضوء البرق، وكما رأينا من خلال الحقائق العلمية كيف تتم عملية إفراغ الشحنات الكهربائية خلال زمن قصير جداً (أي أجزاء ضئيلة من الثانية)، وهذا يتناسب مع مدلول كلمة (يخطف) التي تعني الأخذ بسرعة كما ورد في التفسير.
إذن في كلمة (يَخْطَفُ) إشارة إلى سرعة البرق وسرعة أخذه للبصر، وهذا ما تم إثباته حديثاً، حيث نعلم أن سرعة هذا البرق بحدود 300 ألف كيلو متر في الثانية، وإذا حدث هذا البرق على مسافة عدة كيلو مترات في الغيوم، فإن الزمن اللازم لوصول هذا البرق إلى الشخص الذي سيصيبه هو أقل من جزء من مئة ألف جزء من الثانية! أي أقل من 1/100000 من الثانية. إن هذا الزمن المتناهي في الصغر يناسب قوله تعالى: (يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ).
(2) تفسير ابن كثير لقوله تعالى: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ).
(3) من أسرار القرآن، الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزى دلالتها العلمية، في قوله تعالى: (وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء)، بقلم: د. زغـلول النجـار.
قام بإعداد البحث : الدكتورة نهى أبو كريشة
الدكتور محمد السقا عيد
المهندس عبد الدائم الكحيل
المراجع
القرآن الكريم.
تفسير القرطبي.
تفسير ابن كثير.
-Oashi M, Kitagawa N, Ishikawa T: Lightning injury caused by discharges accompanying flashover: a clinical *** experimental study of death *** survival. Burns Incl Therm Inj 1986; 12:496-501
-Saffe JR, Cr***all A, Warden GD: Cataracts: a long term complication of electrical injury. J Trauma 1985; 25:17-21
-Cherington M, Yarnell P, Lammereste D: Lightning strikes: nature of neurological damage in patients evaluated in hospital emergency departments. Ann Emerg Med 1992; 2175-578
-Background information from the US National Lightning Safety Institute (NLSI),
__________________
بقلم الدكتور محمد جميل الحبال
يقول تعالى في محكم الذكر: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238].
هل تعلمون أن الدماغ في الوضع الجانبي له كأنه رجل وهو ساجد !! وهذا الدماغ يتوضأ في اليوم والليلة خمس مرات!
هل تشعر بثقل الدماغ؟
هناك سائل النخاع الشوكي، سائل النخاع الشوكي الذي يوجد تحت الأم.. غشاء الأم.. العنكبوتية، الدماغ يحاط بثلاثة أغشية وتوجد بين هذا الأغشية سائل النخاع الشوكي الذي يكون له وظيفة الحماية.. الحماية لهذا الدماغ، وأيضاً للتغذية واللي كما تقول: التبريد: كيف أن الماء يبرد السيارة في الراديتير، فالدورة سائل النخاع الشوكي CSF Fluid يدور في هذه المناطق في البطين من الدماغ وحوله ويقوم بالتغذية وبالحماية، لماذا؟ لأن الدماغ وزنه 1700 جرام، لا نشعر بوزنه، هل تشعر بثقل الدماغ الذي هو تقريباً حوالي كيلوين إلا ربع؟
من تقدير البارئ عزّ وجلّ
إننا لا نشعر، لقد وزنوا الدماغ داخل الجمجمة فوجدوه 50 جرام، ووزنه الحقيقة.. الحقيقة حوالي – كما قلت- 1700 جرام، لأنه يطفو في سائل النخاع الشوكي، والقاعدة الفيزيائية تقول: "كل جسم يغمر في سائل يفقد من وزنه بقدر وزن السائل المُزاح".
ولذلك لا نشعر بوزنه وثقله، وهذا من تقدير الباري عز وجل. فالسائل النخاع الشوكي يتولد من منطقة خاصة في الدماغ تسمى الظفرة الشبكية The corogy plaxis ويدور في مساحاته ويخرج من منطقة أخرى كشبكة المياه في أي عمارة أو.. أو بيت، ويقوم بواجباته.
وهذه الدورة تكون في اليوم والليلة خمس مرات بقدر الصلوات وقد ذكر الله الباري عز وجل الصلوات الخمسة. أيضاً كلمة الصلوات مذكورة في القرآن خمس مرات، ونحن نسجد على الفص الأمامي الذي فيه مراكز اتخاذ القرار لأننا في مفهوم المخالفة، المؤمن إذا ما يسجد ويعبد الله فإن ناصيته ستكون مصيبة صادقة.